حق الشفعة الإجتماعي القانوني والإتفاقي
الطبيعة والحدود القانونية
تعتبر الأسهم أهم الأوراق المالية أو القيم المنقولة التي تصدرها شركة المساهمة، وتعتمد عليها في وجودها ونشاطها، وأقوى سند يجمع بين شركة المساهمة وبين المساهمين، ويعرف السهم تأسيسا على ذلك بأنه السند الذي تصدره شركة المساهمة لإثبات حق المساهم فيها[1].
ويعد تداول الأسهم معيار تمييز الأسهم عن الأنصبة في شركات الأشخاص، والضابط الأساسي الذي يحدد طبيعة شركات المساهمة، فإن فقدت هذه الأسهم طابع التداول فقدت الشركة صفة المساهمة، وهذا ينسجم مع طبيعة شركات المساهمة، التي تقوم على الاعتبار المالي، ويشجع على الاكتتاب وتوظيف الرأسمال، وييسر انتقال الأسهم والتنازل عنها، دون أن يتأثر بذلك الضمان العام للدائنين[2].
وتختلف طرق تداول الأسهم باختلاف الشكل الذي أفرغ فيه السهم:
ولقد أتى قانون شركات المساهمة المغربي الجديد بقاعدة عامة تربط التداول بالقيد في السجل التجاري، أوفي حالة الزيادة بتحقيق هذه الزيادة، حيث جاء في المادة 247 منه: "لا تصبح الأسهم قابلة للتداول إلا بعد تقييد الشركة في السجل التجاري أو تحقيق الزيادة في رأس المال".
وإذا كان الأصل أو المبدأ العام، أن نظام الأسهم وشركات المساهمة ذاتها يقوم على فكرة التداول، فإن المبدأ أو الأصل لا يخلو من بعض الاستثناءات أو القيود القانونية منها والاتفاقية[5].
وتتجلى القيود القانونية في ما يلي:
1) لا يسوغ أن تتداول الأسهم النقدية إلا بعد أداء الربع من قيمتها الاسمية على الأقل[6].
2) "يجب أن يبقى السهم العيني إسميا لمدة سنتين مواليتين لتقييد الشركة بالسجل التجاري أو لتحقيق الزيادة في رأس المال"[7]، غير أن المشرع المغربي أضاف استثنائين اثنين بموجب المادة 249 من القانون المذكور ونص على أنه: "تكون قابلة للتداول فورا:
- الأسهم المقدمة من طرف شركة مسعرة أسهمها في البورصة مقابل حصة عبارة عن سندات مسعرة هي الأخرى في بورصة القيم.
- الأسهم المسلمة للدولة أو لمؤسسة عمومية تقدم أموالا تشكل جزءا من ذمتها المالية كحصة في شركة".
3) "لا يمكن تداول شهادات الاكتتاب بالطرق التجارية المومأ إليها سابقا –وإن كان يجوز حوالتها بالطرق المدنية- حماية للادخار العام من تلاعب المؤسسين، ومنعهم من بيع الأسهم بأكثر من قيمتها الحقيقية، نتيجة تأثيرات الإشهار والدعاية التي غالبا ما تحوط تأسيس الشركة"[8]، إلا أن المشرع المغربي بالنسبة لشهادات الاكتتاب الخاصة بزيادة رأس المال، نص بموجب المادة 189 من قانون شركات المساهمة على أن حق الأفضلية المقرر للمساهمين في اكتتاب الأسهم النقدية الجديدة يكون خلال مدة الاكتتاب قابلا للتداول أو التفويت وفق نفس الشروط المطبقة على السهم نفسه.
4) لا يسوغ تداول أسهم الضمان، طبقا للمادة 44 من القانون المذكور التي أوجبت أن تكون هذه الأسهم إسمية وغير قابلة للتفويت، وينص على عدم قابلية التفويت في سجل التحويلات لدى الشركة.
وأجاز المشرع المغربي من جهة أخرى، تقييد تفويت أسهم شركة المساهمة بكل أنواع القيود الاتفاقية، حيث نص بموجب المادة 253 من قانون رقم 95.17 [9] على جواز تقييد تفويت أسهم شركات المساهمة بحق الموافقة كما يلي: "عدا في حالة الإرث أو التفويت إما للزوج أو للأقارب أو للأصهار إلى الدرجة الثانية بإدخال الغاية، يمكن التنصيص في النظام الأساسي على إخضاع تفويت الأسهم للغير بأية صفة من الصفات لموافقة الشركة"، ثم جاء في الفقرة الأولى من المادة 257 من نفس القانون[10] لينص على جواز تقييدها بأنواع أخرى من القيود، ذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: اتفاق عدم إجراء التفويت إلا بعد مدة معينة، واتفاق إجراء التفويت تلقائيا إن اقتضى الحال بصورة تفصيلية لفائدة أشخاص يتمتعون بحق الشفعة، حيث نص المشرع المغربي في الفقرة الأولى من المادة المذكورة على أنه: "يمكن أن تبرم اتفاقات بين المساهمين أو بين المساهمين والأغيار بشأن شروط تفويت حقوق الشركة، وأن تنص على الخصوص على عدم إجراء التفويت إلا بعد مدة معينة أو إجرائه تلقائيا إن اقتضى الحال بصورة تفضيلية لفائدة أشخاص يتمتعون بحق الشفعة سواء كانوا مساهمين أم لا وذلك مقابل السعر الذي يعرضه عن حسن نية أحد الأغيار، أو مقابل السعر المحدد حسب الشروط المنصوص عليها في النظام الأساسي".
ولا تخضع بطبيعة الحال لهذه القيود الاتفاقية، سوى الأسهم الاسمية، "لأنه من الصعوبة بمكان، إن لم نقل الاستحالة المطلقة أن يخضع انتقال الأسهم لحاملها للتقييد"[11]، حيث جاء في الفقرة الثانية من المادة 253 المذكورة كما يلي: "لا يمكن التنصيص على مثل هذا المقتضى إلا إذا كانت الأسهم اسمية حصريا، بموجب القانون أو النظام الأساسي".
ويرى أستاذنا أحمد شكري السباعي[12] أن " الدوافع وراء وضع مثل هذه القيود الاتفاقية، على شركات لا تقيم أي وزن للاعتبار الشخصي وأن هاجسها ووزنها لا يكمن سوى في الاعتبار المالي، كثيرة قد تكون عائلية أو سياسية أو دينية أو احتكارية أو تنافسية"، ومن تم فالاعتبار الشخصي موجود في شركات الأشخاص وفي شركة المساهمة، غير أنه في هذه الأخيرة مجرد اعتبار شخصي سلبي أو وقائي[13] - لا يتطلب في الشريك صفات ايجابية تعتمد عليها الشركة، ولكنه يتطلب منه موقفا محايدا وألا يكون من مجموعة منافسة، بمعنى أنه يكتفي من الشريك بمجرد تقديم المال فقط، وبذلك لا يستلزم استمرار الشركاء الأصليين في الشركة- في حين أنه في شركات الأشخاص" يقوم على توازن الدواعي والتوازن العددي، بمعنى أن الأشخاص الذين كانوا محل الثقة هم الشركاء في الشركة، وهذا يعني أن أي تبديل للشركاء غير مقبول في شركات الأشخاص، حتى ولو مع المحافظة على نفس العدد، وهذا هو الذي يبرر المسؤولية التضامنية والمطلقة عن ديون الشركة ويقتضي استمرار وجود الشركاء منذ تأسيس الشركة حتى نهايتها، فإذا حدث أي عارض يؤثر على هذه الاعتبارات الشخصية التي تربط الشركاء فإنه لا مفر من انفراط عقد الشركة لغياب الروح التي قامت عليها".
ولقد خصصنا فصول هذا البحث لدراسة هذه القيود الاتفاقية الواردة على مبدأ حرية تداول الأسهم، وبالأخص حق الموافقة المنصوص عليه في المادة 253 من قانون شركات المساهمة المغربي وحق الشفعة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 257 من نفس القانون، إلا أنه وقبل الخوض في المشاكل القانونية التي يثيرها موضوع تقييد هذين الحقين لحرية تفويت الأسهم، نود أولا في هذه المقدمة تقديم نظرة تعريفية عن كل منهما، مبرزين أوجه الاختلاف والتشابه بينهما:
لقد نص المشرع المغربي على جواز تقييد حرية تفويت الأسهم بحق الشفعة كما سبقت الإشارة بموجب الفقرة الأولى من المادة 257 من قانون شركات المساهمة التي جاء فيها: "يمكن أن تبرم اتفاقات بين المساهمين أو بين المساهمين والأغيار بشأن شروط تفويت حقوق الشركة، وأن تنص على الخصوص على عدم إجراء التفويت إلا بعد مدة معينة أو إجرائه تلقائيا إن اقتضى الحال بصورة تفضيلية لفائدة أشخاص يتمتعون بحق الشفعة سواء كانوا مساهمين أم لا وذلك مقابل السعر الذي يعرضه عن حسن نية أحد الأغيار، أو مقابل السعر المحدد حسب الشروط المنصوص عليها في النظام الأساسي".
وتجدر الإشارة هنا إلى أنه إذا كان حق الموافقة شفعة كما بينا فيما سبق، فإن ما سماه المشرع المغربي في الفقرة الأولى من المادة 257 من القانون المذكور حق شفعة ليس كذلك، رغم تطابق الاسم مع ما هو متعارف عليه في القانون العقاري، بل هو نوع آخر مختلف من القيود الاتفاقية، وكل ما نود ذكره بشكل مختصر في هذه المقدمة هو كونه حق تفضيل لا حق شفعة[14]، حيث يختلف عن حق الموافقة، في أنه إذا كان ينشأ في هذا الأخير الحق للمستفيد في العمل على شراء الأسهم بعد بيع تام ناجز، فإنه في حق الشفعة (التفضيل) ينشأ الحق للمستفيد في ذلك عند وجود مجرد محادثات ووعود، أما إذا صار البيع تاما وناجزا، فإن حق المستفيد في الشفعة يضيع، وكل ما يبقى له هو مطالبة المدين بالالتزام بتعويضه عن عدم تنفيذ التزامه.
بمعنى آخر إذا كان التنازل عن الحق في العمل على شراء الأسهم في حق الموافقة شرط لاستقرار عقد التفويت، فإنه بالنسبة لحق الشفعة (التفضيل) المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 257 المذكورة شرط لإبرام عقد التفويت مع الغير، حيث يتحول العقد بالتنازل عن الأخذ بالشفعة (التفضيل) من المرحلة التمهيدية إلى مرحلة الإبرام والانعقاد.
غير أن هذا لا يعني أنه ليس بينهما أي وجه تشابه والتقاء، بل بينهما أكثر من نقطة مشتركة، حيث ذكر أحد الباحثين[15] في هذا الإطار: "شرط الموافقة وشرط الشفعة متقاربان لا من حيث التنظيم ولا من حيث النتيجة، في كليهما هناك مساس بحرية تداول الأسهم، حيث إن المساهم لا يستطيع لا اختيار المفوت إليه ولا ثمن التفويت".
لذا فحق الشفعة (التفضيل) هو أيضا مثل حق الموافقة حق استثنائي، فيه تقييد لحرية التعاقد ولحق الملكية، إذ بمقتضاه يجبر الراغب في الشراء على التخلي عن الأسهم التي يريد شراءها، ويجد المساهم نفسه قد باع لشخص غير الذي أراد البيع له، وهذا ما أكده أحد الباحثين[16] بقوله: "في كليهما هناك خضوع للموافقة، وفي كليهما هناك عرقلة وتقييد لحرية تفويت الأسهم".
ولقد كانت صفة التقييد في كل من حق الموافقة وحق الشفعة هي المنطلق الذي على أساسه حرصنا على تحليل فصول هذا البحث بشكل يحيطهما بجملة شروط وضوابط شكلية وموضوعية تحد من نطاقهما وتوسع دائرة مسقطاتهما، ذلك أن من المبادئ المقررة في هذا المجال أن التقييد محظور لا يجوز إلا لضرورة، وأنه استثناء يجب عدم التوسع في تفسيره.
ويطرح تقييد حرية تفويت أسهم شركة المساهمة بحقي الموافقة والشفعة عددا من المشاكل، نذكر منها:
1. من هو الجهاز من بين أجهزة الشركة المختص بمنح الموافقة في الحالة التي تكون عملية تفويت الأسهم عملية تفويت مراقبة وليست عملية تفويت بسيط للأسهم ؟ بمعنى آخر لمن ينشأ قانونا حق الموافقة ؟ هل ينشأ حق الموافقة للمساهم الذي فوت أسهمه للغير أم لشريكه الذي يريد أن يدفع عن نفسه ضرر دخول الأغراب إلى الشركة ؟.
2. هل جواز تقييد تفويت الأسهم يسري فقط على الحالة التي تُفوت فيها للغير أم أنه يسري حتى على الحالة التي تُفوت فيها للمساهم ؟، بعبارة أخرى ما المقصود بكلمة "الغير" الواردة في المادة 253 من قانون شركات المساهمة ؟، هل يشمل في مدلوله المساهم أم يقتصر المعنى فقط على الغير الأجنبي ؟.
3. إذا تَم تفويت الأسهم إلى المساهم في إطار مقتضيات الفقرة الرابعة من المادة 254 من قانون شركات المساهمة التي تنص على وجوب العمل على شراء الأسهم من المساهم الراغب في الخروج من الشركة بعد رفض الموافقة على المفوت إليه المقترح من جانبه، هل يجوز للمساهمين تقييد تفويت الأسهم إليه بحق التحاصص، أم يمكن التصريح بصحة العمل على شراء الأسهم الذي يمارسه بعض المساهمين بالنسبة لجميع الأسهم ؟.
4. هل يجوز أن يكون أساس مشروعية تقييد حرية تفويت الأسهم بحق الشفعة الاجتهاد بدل النص ؟.
5. هل فعلا حق شفعة هو التكييف القانوني المناسب لحق الشفعة المنصوص عليه في المادة 257 من قانون شركات المساهمة أم أنه ذو طبيعة قانونية أخرى ؟.
6. متى ينشأ للمستفيد من حق الشفعة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 257 من قانون شركات المساهمة الحق في العمل على شراء الأسهم من المشفوع منه ؟، هل ينشأ له الحق في الشفعة قبل البيع أم بعده ؟.
7. هل يجوز للمتمتع بحق الشفعة أن ينقص من الثمن الذي عرضه عن حسن نية أحد الأغيار على المدين بالالتزام أم عليه أن يشفع بنفس الثمن المعروض ؟، ما هي نسبة الأصوات التي يشترط توافرها لجواز تقييد حق حرية تفويت الأسهم بحق الشفعة ؟.
8. هل يجوز للمساهم في حق الشفعة تشطير الشفعة فيما يراد بيعه إلى الغير من الأسهم صفقة واحدة، أم يتوجب على الشفيع أن يطلب كل الأسهم المراد بيعها للغير، وإلا سقط حقه ؟، هل حق التحاصص بين الأشخاص المتمتعين بحق الشفعة له محل في حق الشفعة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 257 المذكورة أم أن ضمان هذا الحق خاص بحق الموافقة أو ما شابههما من الحقوق؟.
9. هل الحكم الذي نص عليه المشرع المغربي في المادة 253 من قانون شركات المساهمة بعدم جواز تقييد تفويت الأسهم بحق الموافقة في حالة الإرث أو في حالة التفويت إما للزوج أو للأقارب أو للأصهار إلى الدرجة الثانية، أو للمساهم بكيفية ضمنية، يسري على حق الشفعة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 257 من نفس القانون قياساَ، أم أنه يقتصر فقط على حق الموافقة لعدم تساوي الواقعتين في علة الحكم ؟ ومن ثم ما هي العلة التي على أساسها بني الحكم في حق الموافقة بعدم جواز تقييد تفويت الأسهم في حالات التفويت المذكورة، بحيث إذا انعدمت هذه العلة في حق الشفعة انعدم الحكم، وإذا وجدت وجد الحكم؟.
10. ما هي المصلحة التي تقدم في حالة تعارض مصلحة المساهمين في المحافظة على المساواة بينهم في توزيع الأسهم بما يقتضي جواز تقييد تفويت الأسهم إلى المساهم، مع مصلحة المساهم في تفويت الأسهم إلى أحد المساهمين بكل حرية ؟ هل تقدم مصلحة المساهمين في ضمان المساواة بينهم أم المصلحة الثابتة نصا أو قياسا بعدم جواز تقييد تفويت الأسهم إلى المساهم، أم تقدم المصلحة الراجحة منهما ؟.
وتفرض هذه الوضعية اعتماد منهج تحليلي، ينصرف مباشرة إلى مناقشة المشاكل القانونية، وقد احتاج مني ذلك جهدا ووقتا كبيرين، خصوصا مع قلة المراجع في الموضوع، وهذا القليل منها كان بعضه يزيد في غموض الحقائق لا جلائها، غير أن هذا كان أمرا إيجابيا من ناحية أخرى، ذلك أنه كان فرصة شجعتني على استنباط الأحكام للوقائع التي صادفتها في هذا البحث والتي لا نص على حكمها، مع الحرص الكامل على التزام الموضوعية في الحكم بين المتخاصمين سواء كانوا أغلبية أم أقلية.
وتكون الأسئلة العشر في مجموعها إشكال هذا البحث الذي يتمثل في إمكانية التوفيق بين كون الأصل في قانون شركات المساهمة هو حرية تداول الأسهم وعدم جواز تقييدها، وبين النصوص التي أجاز المشرع المغربي بمقتضاها للمساهمين تقييد تفويت الأسهم بحق الموافقة (الشفعة) وحق الشفعة (التفضيل)، بل وبما شاؤوا من القيود الاتفاقية.
وتتضمن هذه النقطة، الخطوط العريضة لهيكل بحثنا في الشفعة في أسهم شركات المساهمة، والذي نهدف من ورائه إلى توفير مادة علمية تدفع الباحث للشك والتمحيص في بعض الاجتهادات الفقهية والقضائية في الموضوع التي نعتقد أن أصحابها قد جانبوا فيها الصواب.
وبناء على ذلك سنتعرض في باب أول لتقييد تفويت الأسهم بحق الموافقة (الشفعة)، حيث سنقف على واقعة يمارس فيها المفوت بنفسه حق الموافقة (الشفعة)، في حين أن الأصل أن هذا الحق يجب أن يمارسه المساهمون الماكثون في الشركة، فهم من نشأ لهم هذا الحق بتفويت شريكهم أسهمه إلى الغير، ثم سنبين المقصود بكلمة "الغير" الواردة في المادة 253 من قانون شركات المساهمة، بحيث إن التفويت بين المساهمين لا يجوز تقييده بحق الموافقة إلا في الحالة التي يتم فيها العمل على شراء الأسهم من المساهم المفوت من قبل مساهم واحد.
أما الباب الثاني فسنخصصه لبحث تقييد تفويت الأسهم بحق الشفعة (التفضيل)، حيث سنبين أن حق الشفعة تقييد لحرية تداول الأسهم، ولابد لمشروعيته من ورود نص صريح بذلك، وأن الأمر ليس محلا للاجتهاد، لأن التقييد أمر محظور، كما سنبين أن الطبيعة القانونية لما يسمى "حق الشفعة" حق تفضيل، وليس شفعة كما يفيد ظاهر العبارة التي هي ترجمة معيبة لمصطلح la préemption الوارد في النسخة الفرنسية لقانون شركات المساهمة المغربي، حيث تقتضي هذه الطبيعة القانونية أن يكون زمن نشوء الحق للمستفيد في العمل على شراء الأسهم قبل البيع التام والناجز، أما بعده فلا يكون عندها للمستفيد إلا الحق في الحصول على تعويض عن الضرر الذي لحقه من جراء عدم تنفيذ مدينه لالتزامه، ثم سنناقش ما تقتضيه الطبيعة القانونية لحق الشفعة من ضوابط شكلية وأخرى موضوعية، حيث تتعلق الأولى بالكيفية التي يجب تحديد السعر بها، والنسبة المتطلبة لرفض الموافقة على المفوت إليه المقترح، والأجل الذي بمضيه يسقط حق المستفيد في ممارسة حق الشفعة (التفضيل)، وكون الصفقة كل لا تقبل التبعيض بحيث إما يعمل المستفيد على شراء الأسهم في كليتها أو يفسح المجال للغير الذي عرض الشراء، وحق التحاصص باعتباره حق مكفول أيضا للمساهمين في إطار حق الشفعة (التفضيل)، وتقضي الثانية بأن الحالات التي نص المشرع على عدم جواز تقييدها بحق الموافقة لا يجوز تقييدها بحق الشفعة قياساً، باعتبار أن كلا الحقين متساويان في العلة التي بني عليها حكم عدم جواز التقييد في حق الموافقة.
ونود هنا إبداء الملاحظات الآتية:
أولا: أننا اعتمدنا في هذه الدراسة بشكل كبير على مراجع الفقه والقضاء الفرنسي مقارنة بمراجع الفقه والقضاء المغربي، ذلك أن فرنسا عرفت النقاش حول تقييد تفويت الأسهم بحقي الموافقة والشفعة منذ الستينات من القرن العشرين، وسنحت الفرصة لفقهها وقضائها للتعرض لكل المشاكل القانونية التي يثيرها الموضوع، ويجد ذلك تفسيره في حركية الاقتصاد الفرنسي بالمقارنة مع نظيره المغربي، فحركية أو ركود الاجتهاد الفقهي والقضائي في بلد ما مرتبط بحركية أو ركود اقتصاده.
ثانيا: أننا قد وظفنا بعض قواعد الاستنباط في الفقه الإسلامي، في مناقشتنا لاجتهادات الفقه والقضاء الفرنسيين التي وظفا بدورهما في طرحها القياس والمصلحة.
ثالثا: لقد اخترنا أن ننعت الموافقة والشفعة بوصف الحق Droit، بدل وصف الشرط Clause الذي ينعتهما به بعض الباحثين الفرنسيين أو المصريين، وذلك استنادا لما يلي:
1- التزاما بالعبارة التي استعمل المشرع المغربي في الفقرة الأولى من المادة 257 المذكورة، والتي تصف صراحة الشفعة بكونها حق.
2- باعتبارهما فعلا حقوقاً للمساهم إذا توفرت أسبابهما وشروطهما،
3- تقريبا بين مقتضيات الموافقة في قانون شركات المساهمة ومقتضيات الشفعة في القانون العقاري، حيث اقترن لفظ الشفعة في هذا الأخير بلفظ حق.
4- لأننا لا نحتاج إلى التمييز بين الموافقة والشفعة إلى أن نطلق على هذا الأخير صفة شرط، وعلى الأول صفة حق، كما يحتاج إلى ذلك بعض الباحثين المصريين[17] الذين أطلقوا على كل من الموافقة والشفعة اسماً واحداً هو الاسترداد.
رابعا: إننا نريد لفت انتباه القارئ إلى عدم تعرضنا في هذا البحث لقيود اتفاقية أخرى، يمكن أن تكون هي الأخرى أداة لتقييد تفويت الأسهم، كاتفاق عدم إجراء التفويت إلا بعد مدة معينة المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة 257 من قانون شركات المساهمة أو ما يعرف في فرنسا باسم شرط عدم القابلية للتصرف clause d'inaliénabilité، وشرط حظر الاكتساب المعروف في فرنسا باسم Clause d’interdiction d’acquisition، وحق الانسحاب Droit de retrait، لأنها تخرج عن موضوعنا الذي ارتأينا أن نحصره فقط في حق الموافقة وحق الشفعة، لشيوعهما وما يثيرانه من مشاكل قانونية تحتاج إلى كثير من البحث واستفراغ الوسع، وبالتالي فإن تصميم البحث في خطوطه العريضة سيكون ثنائيا وكالآتي:
الجزء الأول: حق الشفعة الإجتماعي القانوني (جزء في قانون الأموال والشركات)
الكتاب الأول: الطبيعة القانونية لحق الشفعة الإجتماعي القانوني (كتاب في قانون الأموال)
الكتاب الثاني: الضوابط القانونية لحق الشفعة الإجتماعي القانوني (كتاب في قانون الشركات)
الجزء الثاني: حق الشفعة الإجتماعي الإتفاقي (جزء في مصادر القانون: العقد والمصلحة)
الكتاب الأول: الطبيعة القانونية لحق الشفعة الإجتماعي الإتفاقي (كتاب في قانون العقود)
الكتاب الثاني: الضوابط القانونية لحق الشفعة الإجتماعي الإتفاقي (كتاب في مصادر التشريع)
خاتمة: وهي خلاصة بأهم ما انتهينا إليه في هذا البحث.
[1] - د. أحمد شكري السباعي، الوسيط في القانون التجاري المغربي والمقارن، الجزء السادس في شركات الأموال والشركات ذات المسؤولية المحدودة، دار نشر المعرفة، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 1993. ص 117.
[3] - الفقرة الخامسة من المادة 245 من قانون رقم 17.95 يتعلق بشركات المساهمة، الجريدة الرسمية عدد 4422 بتاريخ 17 أكتوبر 1996، ص 2321.
[13] - راجع: عبد الرحمان السيد قرمان، حق الشركاء في استرداد الحصص في الشركة ذات المسؤولية المحدودة. دراسة مقارنة في الآليات القانونية وحفظ التوازن بين الشركاء، دار النهضة العربية، القاهرة، 1995، ص 99، نبذة 36.
[15] - JC. Bousquet. Note sous TGI. Dijon 8 Mars 1977. Dalloz. 32 cahier. Jurisprudence 1977. p 482.
[17]- راجع: د. حسني المصري، م. س، ص 91، نبذة 48. د. أبو زيد رضوان، م. س، ص 124. نبذة 118. د. عبد الرحمن السيد قرمان، م. س، ص 105، نبذة 42.